الشيخ محمد هادي معرفة
140
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
عند ذكر الجبّارين : قصّة عُوج بن عُوق ، وأنّه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع ، وأنّه كان يمسك الحوت ، فيشويه في عين الشمس ، وأنّ طوفان نوح لم يصل إلى ركبتيه « 1 » ، وأنّه امتنع عن ركوب السفينة مع نوح ، وأنّ موسى كان طوله عشرة أذرع وعصاه عشرة أذرع ، ووثب في الهواء عشرة أذرع ، فأصاب كعب عُوج فقتله ، فكان جسرا لأهل النيل سنة ، إلى نحو ذلك من الخرافات ، والأباطيل التي تصادم العقل والنقل ، وتخالف سنن اللّه في الخليقة . فمن تلك الروايات الباطلة المخترعة ما رواه ابن جرير بسنده عن أسباط ، عن السُدّيّ ، في قصّة ذكرها من أمر موسى وبني إسرائيل ، وبعث موسى النقباء الاثني عشر ، وفيها : فلقيهم رجل من الجبّارين يقال له : عُوج ، فأخذ الاثني عشر ، فجعلهم في حجزته « 2 » ، وعلى رأسه حملة حطب ، وانطلق بهم إلى امرأته ، فقال : انظرى إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنّهم يريدون أن يقاتلونا ، فطرحهم بين يديها ، فقال : ألا أطحنهم برجلي ؟ ، فقالت امرأته : بل خلِّ عنهم ، حتّى يُخبروا قومهم بما رأوا ، ففعل ذلك . وكذلك ذكر مثل هذا وأشنع منه غير ابن جرير والسيوطيّ بعضُ المفسّرين والقصّيصين ، وهي كما قال ابن قتيبة : أحاديث خرافة ، كانت مشهورة في الجاهليّة ، أُلصقت بالحديث بقصد الإفساد « 3 » . وإليك ما ذكره الإمام الحافظ الناقد ابن كثير في تفسيره ، قال : وقد ذكر كثير من المفسّرين هاهنا أخبارا من وضع بني إسرائيل ، في عظمة خلق هؤلاء الجبّارين ، وأنّ منهم عُوج بن عُنق بنت آدم عليه السلام ، وأنّه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا ، وثلث ذراع ، تحرير الحساب ، وهذا شيء يُستحى من ذكره ، ثمّ هو مخالف لما ثبت في الصحيحين : أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قال : « إنّ اللّه خلق آدم ، وطوله ستّون ذراعا ، ثمّ لم يزل الخلق ينقص حتّى الآن » « 4 » ، ثمّ ذكروا : أنّ هذا الرجل كان كافرا ، وأنّه كان
--> ( 1 ) - . لعلّه كان أشمخ من أعلى الجبال على الأرض ! ! ( 2 ) - . الحجزة : موضع التكة من السروال . ( 3 ) - . تأويل مختلف الحديث ، ص 284 ؛ روح المعاني للآلوسيّ ، ج 6 ، ص 95 . ( 4 ) - . هذا أيضا حديث باطل ! وقد نبّهنا عليه في التفسير .